أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
286
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بخلاف سقته لأجله ، فإنه لا يلزم منه إيصاله له ، فقد تسوق المال لغيري لأجلي » . وهو واضح . وتقدم الخلاف في تخفيف « مَيِّتٍ » وتثقيله في آل عمران « 1 » ، وجاء هنا ، وفي الروم : يُرْسِلُ بلفظ المستقبل مناسبة لما قبله ، فإنّ قبله ادْعُوهُ خَوْفاً ، وهو مستقبل . وفي الروم لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ، وهو مستقبل . وأما في الفرقان وفاطر فجاء بلفظ الماضي أَرْسَلَ * لمناسبة ما قبله وما بعده في المضي ، لأن قبله أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ، وبعده مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ فناسب ذلك الماضي ، ذكره الكرماني . وقوله : فَأَنْزَلْنا بِهِ الضمير يعود على أقرب مذكور ، وهو : بلد ميت ، وعلى هذا فلا بدّ من أن تكون الباء ظرفية ، بمعنى : أنزلنا في ذلك البلد الميّت الماء . وجعل الشيخ هذا هو الظاهر . وقيل : الضمير يعود على « السحاب » . ثم في الباء وجهان ، أحدهما : هي بمعنى « من » ، أي : فأنزلنا من السحاب الماء . والثاني : أنها سببية ، أي : فأنزلنا الماء بسبب السحاب . وقيل : يعود على السّوق المفهوم من الفعل ، والباء سببية أيضا ، أي : فأنزلنا بسبب سوق السحاب ، وهو ضعيف لعود الضمير على غير مذكور مع إمكان عوده على مذكور . وقوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ الخلاف في هذه الهاء كالذي في قبلها ، ويزيد عليه وجه أحسن ، وهو العود على الماء ، ولا ينبغي أن يعدل عنه . و « مِنْ » تبعيضية ، أو ابتدائية ، وقد تقدم نظيره . و « كَذلِكَ » نعت مصدر محذوف ، أي : نخرج الموتى إخراجا كإخراجنا هذه الثمرات . و « الْبَلَدُ » يطلق على كل جزء من الأرض عامرا كان أو خرابا وأنشدوا على ذلك قول الأعشى : 2235 - وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة * للجنّ باللّيل في حافاتها زجل « 2 » [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 58 إلى 61 ] وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 60 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 61 ) و : بِإِذْنِ رَبِّهِ . يجوز أن تكون الباء سببية أو حالية . وقوله : « إِلَّا نَكِداً » فيه وجهان : أحدهما : أن ينتصب حالا ، أي : عسرا مبطئا ، يقال منه : نكد ينكد نكدا - بالفتح - فهو « نكد » بالكسر . والثاني : أن ينتصب على أنه نعت مصدر محذوف ، أي : إلّا خروجا نكدا ، وصف الخروج بالنكد ، كما يوصف به غيره ، ويؤيده قراءة أبي جعفر القعقاع « إلّا نكدا » بفتح الكاف . قال الزجاج : « وهي قراءة أهل المدينة » . وقراءة ابن مصرّف « إلّا نكدا » بالسكون ، وهما مصدران . وقال مكي : « هو تخفيف « نكد » بالكسر ، مثل « كتف » في « كتف » . يقال : رجل نكد وأنكد . والمنكود : العطاء النّزر ، وأنشدوا على ذلك : 2236 - وأعط ما أعطيته طيّبا * لا خير في المنكود والنّاكد « 3 »
--> ( 1 ) آية رقم ( 27 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 109 ) ، شرح القصائد العشر ( 498 ) ، اللسان « بلد » . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 4 / 315 ) ، الطبري ( 12 / 495 ) ، التهذيب واللسان نكد .